كتب

رحلة مع كتاب (من حديث النفس) للأديب/ علي الطنطاوي

خاص وحصري لـ«العاصمة نيوز»

العاصمة نيوز – سعدى الأنصاري:

بعض الكتب لا تحتاج إلا أن تبدأ بها ، لتأخذك في دهاليز ورياض مختلفة ، ما تنفك منها إلا عند آخر سطر ، فتنهي الكتاب وأنت ما زلت مستمتعاً ببدايته ، هكذا هي كتب الشيخ علي الطنطاوي ، ذلك العالم ،الأديب ،المفكر، الذي ترك للمكتبات العربية ثروة عظيمة تلامس الروح ، وتستوطن فيه، وصدق من قال” الكتب هم الأبناء المخلدون”.
احترت كثيرا بين كتبه ، أيها أقدم للقراء ، هتاف المجد ، رجال من التاريخ ، فصول في الثقافة والأدب ، من حديث النفس ، أم الذكريات.
فجميع ما كتب يعد ثروة معرفية وفكرية ، إلا أن كتاب ( من حديث النفس) تحديدا ظل الأكثر تأثيرا ، الأكثر وجعا، الأقرب روحا، كتبه الشيخ بمداد القلب والروح ، فيه ما يقارب خمسة وثلاثون موضوعا ، كتب في مقدمته ( أرجو من القارئ ألا ينظر في فصل من فصول هذا الكتاب حتى يرى تاريخ كتابته… ولا عجب أن يبدل الإنسان رأيا .. فكيف لا تتبدل آرائي وعواطفي وأنا أكتب في الصحف والمجلات منذ اثنتين وثلاثين سنة بلا انقطاع) ، كان رحمه الله بسيطا في تعبيره ، مؤثرا في حديثه ، دائم الكتابة والاطلاع، أول مقالة له في الكتاب (أنا) صور فيه حياة ذلك الطفل الذي خرج إلى الدنيا لا يحسن النطق ولا يعي شيئا ، وكيف كبر ذلك الطفل، وأصبح يلاحق أحلامه بنيل الشهادة تلو الأخرى ، ويحصد للمستقبل الذي ما فتئ يعمل من أجله.
وفي كتابه جواب لبعض الرسائل التي تصله من البريد ، يقول بعضها ليس فيها من الفصاحة شيء ولكنها في البلاغة آية من الآيات ، يرد عليها بأسلوب يستجلب الدمع ، ويحرق القلب، تجده متعاطفا ، مشفقا للناس وللأمة ، يقول في إحدى أجوبته لأم فقيرة تسأله كيف تعلم أبناءها وهي لا تملك قوت اليوم : ” ما تمنيت أن أكون غنيا إلا اليوم ، لأستطيع أن أواسيها باليد والمال ، لا بالقلم واللسان ، ولكني أديب، والأديب لا يملك إلا قلبه ولسانه”.
يكتب كثيرا في قضايا المجتمع والأمة ومحاربة الاستعمار ، ويدافع عن العربية بقلمه الدافئ، فالكتابة بلسم مهدئ للنفوس المتعبة ، يقول: ” أنا أكتب في الصحف والمجلات منذ اثنتين وثلاثين سنة بلا انقطاع ، على أن لدي أشياء ما بدلتها قط ، ولن أبدلها إن شاء الله ، هي أني حاربت الاستعمار وأهله وأعوانه وعبيده دائماً ، ومجدت العربية وسلائقها وأمجادها وبيانها دائما، وكنت مع الإسلام وقواعده وأخلاقه دائماً”.
تمّيز قلم الشيخ الطنطاوي أيضا بالاستطراد ، والولوج إلى شعاب مختلفة من المعارف والأحاديث ، يكتبها بتعبير صادق ، واحساس مرهف ، لاسيما حينما يقف أمام ذكرياته ، تلك الذكريات التي تبكينا حينا، وتدهشنا حيناً آخر، كتب (من دموع القلب) مقالة يستنطق فيها الماضي ويلوم نفسه في ذلك ويقول: ” لماذا أعود للماضي الذي ماتت أيامه ، وماتت أحلامه ، ومات ناسه).

لكنه يعود ويتحدث عن وجعه الأكبر، عن فقده العظيم ، يخاطب صديق طفولته أنور العطار:
” أتذكر ما قلت لي عن حبك لأمك وتعلقك بها ، وأننا اتفقنا على أن الحياة مستحيلة علينا بعد الأمهات ، لقد كان ما ظنناه مستحيلاً ، لقد ماتت أمي وأمك واحتواهما ذلك القبر .. لم نعد نملك منهما إلا دموعاً حرى في العين ، وحسرات لاذعات في القلب، لقد غابتا إلى الأبد”.
ويقولون: ” إن المصيبة تبدأ صغيرة ثم تكبر ، ولكن مصيبتي بأمي تنمو في نفسي كل يوم”.
أليست حروفا مبكية ، تلك التي تحدث فيها عن أمه ، عن بلسم حياته ، ومداوية جراحه ، تلك التي يعجز عن الكتابة عنها وهو الأديب البارع، يقول: ” إني لأنظر إليها الآن وهي مريضة على فراشها ، كأنما كان ذلك منذ ساعة ، فيبكي قلبي ولا أستطيع أن أكتب عنها حرفا “.
كتب أيضا عن رحلته في مجال التعليم ، بدءا بالكتاتيب ، وانتهاء بمعلم الصف ، تلك المرحلة الشاقة التي أنهكته كثيرا ، بأسلوب فكاهي يسلي القارئ ويذهب به بعيدا، ويعرض تارة شهادته الليسانس للبيع ، ثم يعود إلى ذكرياته مجددا فيحدثنا عن العيد ، عن تلك البهجة التي فقدها في المدنية الحديثة ، يقول: ” هل تسمعون حديث رجل أضاع عيده ، وقد كانت له أعياده … أتغيرت الدنيا أم الناس فقدوا فرحة العيش حينما تركوا تلك الحياة السمحة القانعة الطاهرة من أدران حضارة الغرب”.
الشيخ علي الطنطاوي يكتب أيضا في فن القصة، وقد تجده في بعض المقالات يسرد قصصاً عاشها بنفسه ، فخلدها بقلمه ، يذكر أسماء أصحابها حيناً ، ويواري عن الأسماء حينا آخر فيقول كان فلان …الخ
وعلى أبواب الثلاثين ، يكتب بحروف صادقة تأخذنا إلى آفاق بعيدة ، يقول: ” نظرت اليوم إلى سجل ميلادي فوجدتني على أبواب الثلاثين .. فتركت عملي وجلست أفكر ، ماذا بقي لي من هذه السنين الثلاثين يا أسفي ؟… قد خسرت ثلاثين سنة هي زهرة عمري ، وربيع حياتي ولم أربح حياتي”.. وعن بلوغ الخمسين يقول: ” فكرت فيما نلت من الدنيا من لذائذ ، وما حملت من عناء ، فيا أسفي لقد مضى أكثر العمر ، وما ادخرت من صالحات، ولقد دنا السفر وما تزودت ولا استعددت… اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت” . . فاللهم اغفر له بعدد ما كتب من حروف ، وبعدد ما أثر في القلوب ، فأنت الرحيم الغفور.
نجده يسخر قلمه أيضا في كتابة الرسائل إلى الأدباء وقادة الأمة فتراه في كتابه هذا يرسل إلى الأستاذ أحمد أمين ويخاطبه بلغة الأديب المتمكن من زمام اللغة يقول: ” كان هنا شاعر، لم يعرفه الناس حتى عرّفتهم به هدأت الأسحار ،وكان ينادي الليل الراحل بأرق أسمائه فيلفت الليل ويقف لحظة يصغي إليه، والفجر يستحثه على الرحيل ، غنى للإيمان وللوطن وللحب، أعجب به الناس وأحبوه ، ثم ألفوه واطمأنوا إليه ، فكانوا لا يدرون به إن حضر ولكنهم يفتقدونه إذا غاب”.

يحدثنا عن الوحدة فيقول: ” ما آلمني شيء في الحياة ما آلمتني الوحدة “.
” من المستحيل أن نفهم هذا المخلوق الذي ندعوه النفس ، لذلك نخاف الوحدة ونفرّ منها ، إننا نخشى نفوسنا ولا نستطيع أن ننفرد بها”.
ثم يقدم لنا حلولا لتلك العزلة المخيفة فيقول:
” سيظل الناس تحت أثقال العزلة المخيفة حتى يتّصلوا بالله ، ويفكروا دائماً في أنه معهم وأنه يراهم ويسمعهم ، هنالك تصير الآلام في الله لذة ، والجوع في الله شبعاً، والمرض صحة، والموت هو الحياة السرمدية الخالدة ، هنالك لا يبالي الإنسان ألا يكون معه أحد ، لأنه يكون مع الله”.
كتب أيضاً عن موطنه ، وعن ذكرياته التي تركها هناك : ” أحبّ دمشق ، دمشق مثوى ذكرياتي ، ودنياي من الدنيا ، وغاية أملي في حياتي ” .. كتب عن الغوطة ، عن جبل قاسيون ، عن بردى ، أتراه يدري ما حلّ بها الآن ؟ أتراه يدري بأن الغوطة أصبحت محرقة و دمار ، وأن قاسيون ما عاد في أمان ، وأن سوريا بأكملها أضرمت فيها النار ، آه لو كان حيا كيف سيتحمل فجيعته في وطنه وذكرياته.
يمتلك الشيخ لغة رفيعة ، وثقافة أدبية جمة ، وله في معظم العلوم اطلاع ، لذلك تجد كتبه أشبه بالموسوعة المصغرة ، يبحر فيها القارئ ويتجول دون كلل ولا ملل ،عباراته سلسة وبسيطة ، لكنها ذات وقع ، يكتب في فن المقالة ، القصة ، الخطابة ، الخاطرة ، الرسالة ، ويبدع في استخدام المفردات والألفاظ ، التشبيهات والكنايات ، فهو بقلمه مدرسة ، وبفكره جامعة، رحمه الله رحمة واسعة.
يمتاز الشيخ بتواضعه الجم إذ نجده يكتب عن نفسه بتواضع: “أنا رجل صوّرني الناس أكبر من حقيقتي”… ” لم أصر كاتباً لأنني أعجز الليلة عن إنشاء أحب الفصول إلي وأوجبها علي”.
وفي موقف مدهش يقول عن وعد قطعه لصديقه أنور العطار ، ويفي بالوعد بعد خمس وعشرين سنة يقول: ” قلت: ستصير يا أنور شاعراً كبيرا ، وسأصير أنا كاتبا وأكتب مقدمة ديوانك .. ولقد صار أنور شاعرا كبيرا فهل صرت أنا كاتبا؟”
يقول عن هذه المقدمة التي يكتبها لصديقه: ” فتحت عليّ أبواب الذكريات ، وكرّ علي الماضي كأنما هو فلم حافل بكل جميل ونبيل…” ثم بدأ في سرد ذكرياتهما سوياً.

كتب أيضا عن أصدقائه الذين رحلوا في حياته، ذلك الرحيل الموجع، أشخاص شاركهم بهجة الحياة والشباب، ثم تركوه للدنيا ، ورحلوا للعالم الآخر، يقول عن أستاذه سليم الجندي صديقه عندما رحل: ” إن من أصعب الصعب أن أقوم لأؤبنّ رجلا لا أعرف عنه شيئا ، وأصعب منه أن أؤبن رجلا أعرف عنه كل شيء، أن أختصر ثلاثا وثلاثين سنة في عشر دقائق ، أن أجمع البحر في قطرة، والروض في زهرة، وذكريات أستاذي سليم الجندي في كلمة تأبين”.
” وهل تستكثرون علي أن أنضح بالدمع قبور رجال هم ملأوا قلبي بالعاطفة التي ينبع منها الدمع، وهم غرسوا فيه دوحة الحب التي من ثمارها الوفاء”
وفي إحدى مقالاته يبث لواعج قلبه إلى الطلاب الذين سوف يفارقهم ويكتب (الدرس الأخير) فيقول لهم:
” أولادي.. لا تخرجوا كتبكم ولا تفتحوا دفاتركم ، فما جئت لألقي عليكم درساً ، وإنما جئت لأودعكم”.. بذات اللغة يحدثنا عن الوداع عن الفقد والحنين ، عن أيام مضت ولا تعود ، وعن سجل حافل بسنوات عمر انصرم… فيا رب اجعل قبره روضة من رياض الجنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق