تقاريرمجتمع الخرج

أبو صالح الحنوس نافذة مشرعة على «زمن الطيبين»

أرشيف: حمود الفالح – الخرج

توجهت إليه بمشاعر متوهجة وذاكرة سافرة بي عبر زمن الماضي الجميل زمن ( الطيبين ) ، قرع قلبي رصيف مكتبته في ( السوق الداخلي – العتيق ) ذلك المكان الذي كنّا نهرول بعد صلاة الفجر مباشرةً لاقتناء مالذ وطاب من الصُحف والمجلات العلمية والترفيهية والرياضية ويكاد يكون المكان الوحيد في مُحافظة الخرج الذي يجمع على رصيفه كل ماترغب من المثقفين والأدباء والكُتَّاب على المستويات كافة وأعني – بذلك الصُحف.

يأتي إلى مكتبته حتى إذا ماكتمل الليل وصلى الفجر مباشرةً وكأن الصباح يبدأ من ابتسامته ثم يرفرف الطير وتستيقظ الشمس.

أحــد رمــوز الوعي والثقافة العم : محمد صالح الحنوس العلوي الحربي الشهير بـ ” أبا حنوس ” المولود عام ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين للهجرة.

يجتمع حولـه كبـار السِن لقراءة الصُحف وقبل ظهور الأنترنت كان يتزاحم شباب المُحافظة عند رصيف مكتبته ، طيب القلب ، لين المعشر تلقائي لايتصنع الكل يحبه من مختلف الشرائح والأطياف والألوان يُحِب المِزاح والقفشات والتعليقات المرحه والساخرة وكأن اللغة معه تتحول لشجرة خضراء ، بسيط ولكنه يمتلك روحًا نادره جِداً محتواها راقٍ وباهض الثمن قل أن تجد مثل هذه الروح تشعر بخلوها من كل ملذات الدنيا إلا ماحلل الله – حتى وإن كانت في نظر البعض أساسية ، في طيبته كرم وجود وفِي تقاسيم وجهه وسحنته أحاديث النبلاء.

عند الساعة السابعة من صباح الـ ٣٠ من يـوليـو ٢٠١٦م كنت على عتبات أبواب مكتبته سألت من يعمل في المكتبة عنه وأفاد بأنه بعد ساعة من الآن سيكون متواجد وبالضبط بعد ساعة وجدته يجلس على كرسي العطاء وتجاعيد وجهه تحمل كل معاني الصدق والأمانة عرفته بنفسي ورحب بابتسامة كلها عذوبة ولا أخفيكم بــأني استطعمتها توتًا شهيًا ، مكتبته تُشبه تمامًا بسيطة في شكلها وعميقة في مضمونها.

من وُلد في القصيم – رياض الخبراء – قـدِِم إلى مُحافظة الخرج عام ١٣٧٠هـ بدأ حياته العملية موظفًا فــي المؤسسة العامة للصناعات العسكرية من عام ٧٢ – ٨٠ هـ مايـُقارب الـ ” ثمان سنوات ” بعدها ترك العمل في المؤسسة واتجه للعمل كمراسل في الأحوال المدنية والجوازات من عـام ٨٠ – ٩٠ هـ لم يستمر في العمل الحُكومي وتوجه لإنشاء مكتبته الشهيرة عام ٩٠هـ ولم يكن في تلك الفترة مكتبات سوى مكتبة ” أبا صالح الحنوس ” ( مكتبة الخرج ) ومكتبة النور والمكتبة الثقافية وكانت مكتبته تضم بين جنباتها كتبًا ثريه وثمينة في تلك الحُقبة فمكتبته ساهمت في تشكيل ثقافة أجيال كثيرة شكل من خلالها مرحلة حياة كل منا بطريقة أو بأخرى ومزجها بتجربة حياتية مرت بكثير من المتغيرات التي مالبثت أن أصبحت للكثير مـنـا ذكريات ، حتى قرر فيما بعد تحويلها إلى قرطاسية لبيع الصُحف والمُقتنيات المدرسية.

يقول ” الحنوس ” بأنه لم يكن يوجد صُحف في تلك الحُقبة إلا صحيفتيّ ( الرياض – الجزيرة ) وكـان يبيعها بـ ” ٤ قروش ” ، وكانت تأتي هذه الصحيفتين عن طريق الموزع الوحيد آنذاك ( مؤسسة الجريسي ) ووسيلة النقل من المؤسسة إلى المكتبة هو ( التاكسي ) حتى تطورت فيمـا بعـد مؤسسات التوزيع نظرًا لكثرة وتوسع الصُحف والمجلات المحلية والعربية وأصبحت مؤسسـات التوزيـع ثَلَاثًا بدلًا من واحدة وهي ( تهامة – الوطنية – السعودية ).

ومن الحكايا التي حكاها بأن نتائج المرحلة الابتدائية ( سادس ) والثانوية العامة فيما بعد كانت تُعلن في الصُحف ومُديرية المرور بالخرج تنظم السير نظرًا لشدة الازدحام والإقبال من قبل المـواطنين للميزة التي تتمتع بها مكتبته وهو وصول الصُحف في بواكير الفجر قبل الجميع.

” أبا صالح ” شديد التعلق بنادي النصر وجمهوره ويحب دائمًا مُناكفة الهلال وجمهوره من رواد مكتبته ويُذكرهم بهدف ماجد عبدالله على الهلال في كأس الملك عام ١٤٠٧هـ كنوع من الدُعابة وبروح تُشبه النجوم لاتستطيع ملامستها ولكن تشعر بجمالها.

هذا الرجل عاش في الظل دون أن يشعر به المعنيين بالأمر ومنظمين الفعاليات بتكريم يليق ويتناسب مع مـا قدمه خلال نصف قرن وأكثر من مسيرة العطاء يستحق هذا الوالد التشريف عن جدارة حتى وإن كان لسان حاله يقول :

كـل الوفـاء شفته على ذاك الرصيف
ذاك المسـاء !!
كـل الجـفـاء شفته على نفس الرصيف
نفس المساء !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق