ثقافةكتبميديا

رؤية نقدية لرواية أنيس منصور ” الإ فاطمة “

خاص وحصري لـ " العاصمة نيوز "

العاصمة نيوز – رؤية نقدية للكاتبة : سعدى الأنصاري

 

نقد رواية (إلا فاطمة ) لأنيس منصور.

 

التعريف بالروائي:

أنيس محمد منصور  كاتب صحفي وفيلسوف وأديب مصري.اشتهر بالكتابة الفلسفية ، والأسلوب الأدبي الحديث، كانت بداية أنيس منصور الأدبية مع القرآن، حفظه في سن صغيرة في كتٌاب القرية ، التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة برغبته الشخصية، دخل قسم الفلسفة الذي تفوق فيه وحصل على ليسانس آداب ، عمل أستاذاً في القسم ذاته ، ثم تفرغ للكتابة والعمل الصحافي في مؤسسة أخبار اليوم، تعلم أنيس منصور لغات عدة منها: الإنكليزية والألمانية والإيطالية واللاتينية والفرنسية والروسية، عرف بأن له عادات خاصة بالكتابة حيث كان يكتب في الرابعة صباحاً ولا يكتب نهاراً، ومن عاداته أيضاً أنه كان حافي القدمين ويرتدي البيجاما وهو يكتب، كما عرف عنه أنه لا ينام إلا ساعات قليلة جداً، وكان يعاني من الأرق ويخشى الإصابة بالبرد دائماً، حصل في حياته على الكثير من الجوائز الأدبية ،وفي صباح يوم الجمعة الموافق 21 أكتوبر 2011 توفي عن عمر ناهز 87 عاماً .

التعريف بالرواية:

حكاية إلا فاطمة كتبها أنيس منصور ولم يكملها إلا بعد أكثر من عشرين عاما ،” وجاءت التكملة محاكمة من البطلة فاطمة للمؤلف نفسه “، الرواية تصوّر الحالة الاجتماعية التي أرغمت صابر” بطل الرواية على مغادرة بلاده مصر ويترك زوجته الحامل وأمه، ليستقر في النمسا ، ويبدأ من الصفر حياة جديدة مختلفة تماما عن ما اعتاد عليه ، يواجه  البطل تحديات ومنعطفات صعبة يتجاوزها بكل سهولة في الغربة ، يتعرف بعدها على المرأة التي ساندت المغتربين هناك ، وقد كانت أكبر منه سناً فيتزوجها بعد إسلامها.

الشخصيات الرئيسة:

صابر: ذلك المغترب الذي ترك بلاده ليبحث عن لقمة عيش ،ومستقبل أفضل لأسرته الصغيرة، ظل متمسكا بمبادئه الإسلامية في بلد يبيح الكثير، تزوج مرة أخرى في فيينا من امرأة نمساوية أكبر منه سنا أعجبت به وبتمسكه بدينه فكانت له الساعد الأيمن في حياته.

تهاني: الزوجة التي أحبها صابر ، وظلت ترسل له خطابات مطولة في غربته ، كان يكتب لها عن كل شيء في فيينا ، وتكتب له عن كل شيء في مصر، حملت بابنه الوحيد وتركته يتجرع غصات الرحيل بعد موتها في زلزال ردم البيت بأكمله.

مرجريت(فاطمة): تعرّف عليها صابر في فيينا ، فتحت للمغتربين باب منزلها ، كانت نبيلة وكريمة، تزوجها صابر زوجة ثانية دون أن يجرؤ على إخبار زوجته في مصر، وعندما عاد إلى مصر بعد فجيعته في زوجته تهاني ، عرضت عليه أمه الزواج من ماجدة لترعى ابنه الصغير، وكانت مرجريت مرحبة بذلك الزواج ووقفت إلى جانبه في تلك المعاناة .

ماجدة : ابنة خالة صابر ، أحبته كثيرا ولم يكترث لذلك الحب حتى بعد أن تزوج صابر بتهاني ظلت محتفظة بحبه ، ولم تنجب من الرجل الذي تزوجته ، وظلت تنتظر صابر بعد طلاقها من زوجها ، وبعد أن فقد صابر زوجته تهاني شاءت أقدار الله أن يتزوج منها لتعتني بابنه الوحيد.

رؤية نقدية للرواية:

عندما تقرأ لأنيس منصور فأنت تقرأ لمفكر ، وأديب ، وفيلسوف ، ومن الصعب جدا أن تقدم نقدا لشخص تجاوزك كثيرا ، ولكن سنعرض لمحات من روايته ( إلا فاطمة) ، كانت مختلفة عن ما كتبه أنيس منصور ، إذ نجده يخلق في الرواية عالم مثالي للمصريين في الخارج، يتمثل في الصمود القوي لبطل الرواية صابر أمام مغريات الحياة ، بعد الخروج من دائرة الانغلاق إلى دائرة واسعة مجهولة ، لم تكن ثمة عقبات لذلك الشاب في هجرته الجديدة، يخرج من مصر متجهاً  إلى فيينا ، دون تخطيط ولا رأس مال ، يجد من يمد له يد العون مصادفة من مطار الغربة ، يتجه إلى سكن المصريين بعد لقائهم به مصادفة أيضا ، تتذلل أمامه كل الصعوبات ، هذا إن وجدت صعوبات في الرواية ، كان القارئ يتطلع للاستكشاف ، للخبرة الجديدة في أرض غريبة ، للصعوبات التي يواجهها أي مهاجر لأوربا، وبالتحديد فيينا كيف بدأ وكيف وصل ، لكن السرد لم يتطرق لها إطلاقا ، أهمل الجزء الواقعي في القصة ، تجلى ذلك في موت زوجته تهاني التي أحبها إثر انهيار المنزل  لينجو طفلها الوحيد الذي لم يكن معها مصادفة ، وموقفه مع تلك الفتاة التي أحبها في الجامعة لتموت وتتركه حزينا ، وتقبل الزوجة لضرّتها (أي الزوجة الثانية) بكل هدوء واتزان ، الواقع يختلف تماما عن ما كتبه أنيس منصور، فطبيعة المرأة جلبت على الغيرة من الزوجة الأخرى ، وعدم التنازل لها بكل هدوء ، وتوالي المصائب على صابر لم يكن منطقيا في الرواية ،  حتى ذلك النبل الأخلاقي الذي اتصفت به تلك المرأة (مرجريت) كان مبالغا فيه ، ، كانت القصة أشبه بخيال لا يستند إلى واقع ملموس، الأكثر غرابة في القصة تمسك صابر بالقيم والمبادئ الإسلامية في بيئة مختلفة تماما عن موطنه ، وتأكيده عن كونه مختلفا عن أولئك الذين غرقوا في الملذات، وكأنه يمتلك إرادة فولاذية وقدرة غير عادية في مواجهة المغريات والشيطان والنفس الأمارة بالسوء ، الحياة التي صورها أنيس منصور للشباب المصري الفاسد وكيف كان غارقاً في الشهوات باستثناء صابر الذي استطاع مجاهدة نفسه في بيئة تبيح الكثير ، ولم تكن النفس الأمارة بالسوء تنازعه حتى ،كان معصوما بخلاف أصدقائه الآخرين ، والشباب المصري على ما أعتقد فيه حب العمل والخير وطلب العلم لكن أنيس منصور لم يكتب عن الشاب المصري في بيئة العمل ومقاعد الدراسة ، وكأن جلّ ما يريد هو الملذات والانغماس فيها.

عنوان الرواية:

أما عن عنوان الرواية فهو الأكثر إثارة في القصة (إلا فاطمة)  الاستثناء لتلك المرأة التي جعلها الكاتب بطلة في السرد بأخلاقها الرفيعة المبالغ فيها ، وكأنها ملاك يمشي على الأرض ، ويتفاجأ القارئ في نهاية القصة بأن فاطمة تلك ماهي إلا مرجريت ، تلك النمساوية الأكبر منه سناً، فقد أسلمت ليتزوج منها صابر، وكأن صابر هو غاية تلك المرأة وليس الإسلام الحقيقي وتقبل هذا الدين بمبادئه وشرائعه،  وغيرت اسمها إلى فاطمة ، ولم يذكر اسمها في القصة إلا أربع مرات تقريبا ، ربما قصد بذلك التشويق وكان عكس ما أراد.

اللغة والأسلوب:

يستطيع أي كاتب أن يستجلب القراء باللغة الرصينة ، والألفاظ المنمقة ، لكن أنيس منصور في روايته هذه لم يكتب بلغة تستحوذ الاهتمام ، ولا مفردات تستدعي الوقوف والتأمل في كيفية إخراجها بهذا الجمال ، كانت اللغة ركيكة ، هزيلة ، لم تكن بقوة حضور أنيس منصور في العالم الإبداعي والأدبي ، فاللغة هي الأداة الأكثر قوة في السرد ، ورواية (إلا فاطمة) عبارة عن حكاية مرسومة المعالم دون حبكة تظهرها بشكل فريد ومتميز، فالأسلوب الذي كتبها به كان أسلوبا عاديا ، لم يكن فنيا ولا إبداعيا، ولم يأسر القارئ به ، فالنص بحاجة إلى لغة وأسلوب جيد يتجمل به قبل أن يخرج إلى النور، وعندما يكون الكاتب أنيس منصور فإنا نتوقع الأفضل في اللغة والأسلوب.

الحوار في الرواية:

” العالم الروائي عالم يمتاز بالغنى والخيال ، ويتأتى ذلك في الأساليب المستخدمة ، والحوار القائم ، لتظهر الرواية بحلة تثير القراء ، وكما يقول جاك بريفير: ” إن الرواية تنمو كالعشبة البرية ، ولا يقصد بها ذلك النمو العشوائي ، بل إن التنامي الروائي يكون من خلال تحكم الكاتب الشديد ببصائر ومصائر شخصياته” .. الحوار في رواية إلا فاطمة كان بين الشخصيات نفسها وبلغة عامية على الأغلب ، ونحن لا نعيب ذلك إلا إن كان بطريقة مبالغ  فيها ، وكأنها دعوة للكتابة بالعامية بدلا من الفصحى التي يتصور البعض أنها تعيق السرد والإفصاح عن ما في المكنون ، وكما ذكر طه حسين: ” وما أكثر ما يخطئ الشباب من أدبائنا حين يظنون أن تصوير الواقع من الحياة يفرض عليهم أن ينطقوا الناس في الكتب بما تجري به ألسنتهم في أحاديث الشوارع والأندية ، فأخص ما يمتاز به الفن الرفيع هو أنه يرقى بالواقع عن الحياة درجات ، دون أن يقصر في أدائه وتصويره”.. وقد استخدم أنيس منصور العامية في حواراته وأكثر منه ،أسهم ذلك في إبطاء السرد كثيرا ، وجعل القارئ يتشوق لبعض السرد ، فالحوار القائم بين الشخصيات وبين صابر مرات كثيرة كان من الممكن أن يختزل بصورة أجمل ، ويخلق في السرد التفاصيل التي كانت تدور بينهم ، فوظيفة الحوار كما يرى روجر” السير بالعقدة ، والكشف عن الشخصيات” وحتى نكون منصفين فقد تجلى ذلك في الرواية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق