كتبميديا

لغتنا والحياة لـ « سعدي الأنصاري »

العاصمة نيوز – سعدى الأنصاري :

عندما نتحدث عن اللغة العربية نقف حائرين من أين يبدأ الحديث ، تلك اللغة التي أسرت الكثيرين بتنوع مفرداتها ، واتساع أفقها ، اللغة التي وحّدت الأمة زمناً طويلا ، وأدهشت العالم الآخر فلم يستطيعوا النيل منها ، واجهت تحديات كبيرة ، ومعارك ضارية ، بين المستشرقين وبين العرب أنفسهم، تلك التحديات جمعت في كتاب (لغتنا والحياة) للدكتورة عائشة بنت عبدالرحمن ، المعروفة (بنت الشاطئ)، ولدت في مدينة دمياط بشمال دلتا مصر في منتصف نوفمبر عام 1912 م ،وكان والدها مدرسا بالمعهد الديني بدمياط، وجدها لأمها كان شيخا بالأزهر الشريف، وقد تلقت تعليمها الأولى في كتاب القرية فحفظت القرآن الكريم ثم أرادت الالتحاق بالمدرسة عندما كانت في السابعة من العمر ؛ولكن والدها رفض ذلك؛ فتلقت تعليمها بالمنزل وقد بدأ يظهر تفوقها ونبوغها في تلك المرحلة عندما كانت تتفوق على قريناتها في الامتحانات بالرغم من أنها كانت تدرس بالمنزل وقريناتها بالمدرسة، التحقت بجامعة القاهرة لتتخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية 1939
تزوجت أستاذها بالجامعة الأستاذ أمين الخولي صاحب الصالون الأدبي والفكري الشهير ، وواصلت مسيرتها العلمية حتى نالت رسالة الدكتوراه عام 1950 م وناقشها عميد الأدب العربي د. طه حسين كانت بنت الشاطئ كاتبة ومفكرة وأستاذة وباحثة ونموذجًا للمرأة المسلمة التي حررت نفسها بنفسها بالإسلام، وبالتمسك بآدابه.
بدأت كتابها(لغتنا والحياة) بمدخل تاريخي ، تاريخ هذه اللغة الصامدة ” عرف التاريخ شعوب هذا الوطن ، ترفض الاندماج في كل الغزاة الذين تعاقبوا عليها ، قبل الإسلام على مدى ألف عام، ثم رآها تستجيب للإسلام عن طواعية فما لبثت أن تعربت واندمجت بعناصر شخصياتها القديمة ، وقومياتها المتعددة ، في شخصية جامعة، وقومية مشتركة”.
بدأت هذا المدخل من حيث بدأت شعوب أمتنا تتعرب ، بعد أن تلقت الإسلام دينا ، واعتنقته عقيدة، ” فقبل الإسلام خضعت أقطار هذا الوطن نحو ألف عام للحكم الأجنبي ، باستثناء جزيرة العرب التي اعتصمت ببواديها الجرد، لا مطمع فيها لغريب… ثم جاء الإسلام فكان التحول الذي لا يعرف التاريخ له مثيلا”.
صفحات الكتاب تجرنا إلى الآخر ، تشدنا بتلك اللغة الرصينة ، التي تنم عن عقلية مفكرة ، وشخصية واعية ، لتلك التحديات التي حاصرت اللغة من كل صوب، وبقيت مع ذلك صامدة في وجه الاستعمار الذي أراد تمزيقها، إذ نجدها تقول: ” بقيت لغات الغزاة وثقافاتهم ، وعقائدهم ، المفروضة بالإكراه ، لغة دواوين ، وثقافة دخيل، وعقائد مستعمر، وتواجهها الشعوب بالتحدي”.
بعد هذا التمهيد التاريخي أعقبته بمدخل لغوي ، تحدثت فيه عن المخالطة اللغوية بين القبائل العربية والشعوب ، وأثر الفتوحات الإسلامية في الوحدة اللغوية ، في اللسان المشترك لشعوب كل تلك الأوطان التي جمعتها لغة واحدة يفهمونها جميعا باختلاف لهجاتها، تحدثت أيضا عن جهود اللغويين القدامى في الاستشهاد الشعري ، وفي تمييز الدخيل على هذه اللغة ، ” فالذي يعرف التاريخ أن المخالطة اللغوية كانت واقعا لا مفر منها … مما اضطر اللغويين إلى الاعتراف بالأمر الواقع في تداخل لغات العرب”.

الباب الأول في الكتاب

العربية وقانون التطور، في بيئتها الأولى بالعصر الجاهلي، مع حركة الفتوح الإسلامية، الفصحى ولهجاتها الإقليمية في الأقطار المتعربة، ومع النهضة العلمية في عصر الحضارة الإسلامية، وحركة الإحياء في الغرب الأوربي.
تقول عن العربية في بيئتها الأولى: ” إذا كان العامل الديني هو الذي يعطي التفسير التاريخي لانتشار العربية ، فإن هذا لا يعني  أنها لم تكن في ذاتها صالحة للبقاء ، وإلا فقد كان حسبها أن تبقى لغة دينية ، وتترك للًغات الأصلية للشعوب المسلمة مجال الحياة العامة”.
وسيظل” نزول القرآن الكريم الخطوة الجليلة والحاسمة في الوحدة اللغوية، وفي الوقت نفسه واجهت مشكلات صعبة مع العرب أنفسهم في حياتهم الجديدة ، ثم مع الشعوب التي تعربت بعد أن أسلمت”، ” وحركة التعريب لم تبدأ مع الفتح الإسلامي ، وإنما انتظرت ريثما اطمأنت شعوب المنطقة إلى الدين الجديد ، ثم اتجهت إلى التعرب لكي تتعلم لغة القرآن ، كتاب دينها”.
بسطت الحديث أيضا عن ظاهرة اللحن ونشأته الأولى ، قالت: ” إذا كانت عثرات الألسنة العربية بحيث يتتبعها اللغويون ، فإن المشكلة بدت أشد تعقيدا ، على ألسنة الشعوب التي تعربت بعد الإسلام”.
” والمعروف في تاريخ النحو أن اللحن ظهر على ألسنة الجيل الأول من المولدين ، أبناء الفصحاء ، ثم فشا بحيث اضطر أمراء البيت الأموي إلى إرسال بنيهم إلى البادية أو استقدام مؤدبين لهم من البداة ، يقوّمون ألسنتهم ، ويأخذونهم بالنطق الصحيح”.

الباب الثاني في الكتاب

جعلته (بنت الشاطئ) لتلك المشكلات المعاصرة التي واجهت العربية، تحدثت فيه عن الدعوى إلى العامية ، وبسطت كل تلك الدعاوي الواهية التي جعلوها ذريعة للإطاحة بالفصحى وإضعافها ، ” فوجود لغة عليا للفكر والأدب مع لهجات محلية للتعامل ، ظاهرة طبيعية عرفتها العربية من قديمها الجاهلي ، وتعرفها الدنيا في سائر اللغات الحية… لكن الاستعمار استغل هذه الظاهرة الطبيعية ليحارب الفصحى فراجت دعاوى تتهم الفصحى بالعقم والبداوة وتلقي عليها مسؤولية تخلفنا، وتدعو للعامية فتزعم لها القدرة على الوفاء بحاجات وجودنا اللغوي الحديث ، وترى فيها المفتاح السحري لتقدمنا العلمي والحضاري”.
وسارت خطة العداء للفصحى ، فبدأت الحملات المسعورة تكشف عن جمود الفصحى ، وتدعو للعامية من جهة أخرى ، وتضيف إليها المزايا ، ” ويبدو أن الجزائر بحكم سبق الاستعمار إليها كانت حقل التجربة للغزو اللغوي في قلب المغرب العربي، وأن مصر في قلب المشرق كانت ميدانا لتجربة تمزيق الوحدة اللغوية”.
وممن تصدى لتلك الحملات المتتالية ” عبدالله النديم” للنضال على لسان الأمة في صحيفة فكتب يقول: ” إننا نعلم علم اليقين أنه لو ظهر ألف داع بل مئات ألوف من دعاة أوربا لاستعمال لغة تميت لغة القرآن ، ما وجدوا آذانا سامعة”.

وتتحدث عن مواكبة هذه اللغة لعلوم العصر المختلفة بدليل المؤلفات الضخمة التي تركها لنا الجيل الأول” استطاعت لغتنا أن تؤدي كل مصطلحات العلوم الرياضية والطبيعية ، كما تلقت المراصد الفلكية ، والمعامل التجريبية ، والأجهزة العلمية التي اخترعها علماؤنا الذين تم على أيديهم نقل العلوم الطبيعية والفلكية إلى مجال البحث العلمي التجريبي”.
” وقد ثبت تاريخيا أن أكثر مؤلفاتهم العلمية والفلسفية كانت تدرس في جامعات أوربية في أصولها العربية أو مترجماتها اللاتينية.”
كل هذا يؤكد على أن لغتنا العربية قد سايرت التقدم العلمي والحضاري ، ولم تكن اللغة عائقا لذلك التقدم.
في آخر الفصول حدثتنا بنت الشاطئ عن المعركة اللغوية على أرض البطولات(الجزائر)، وذلك الصمود الشامخ في وجه  الاستعمار الذي دام أمدا بعيدا، ” بدأ الاستعمار من اللحظة الأولى في فرنسة أجهزة الحكومة ودوائر العمل، ثم فرنسة التعليم… وظلت الأخبار تصدر باللغة الفرنسية سبعين عاما”. لكن معركة التحرير قد أثبتت أن الوعي الشعبي قد عصى على التخدير والقهر والغزو ، فبقيت الجزائر عربية إسلامية بعد كل هذا الكفاح، بعد كل ما كان من محاولات المسخ والسلخ.
ختمت كتابها بعرض الصورة التعليمية والأزمة اللغوية إذ نجدها تقول: ” ليست عقدة الأزمة في اللغة ذاتها ، العقدة فيما أتصور ، هي أن أبناءنا لا يتعلمون العربية لسان أمة ولغة حياة، وإنما يتعلمونها بمعزل عن سليقتهم اللغوية ، قواعد صنعة وقوالب صماء، تجهد المعلم تلقينا والتلميذ حفظا، دون أن تكسبه ذوق العربية ومنطقها وبيانها”.
الكتاب ثري جدا ، يكشف عن عقلية تلك المرأة الفذة التي قدمت للعربية تراث جميل ، وللمرأة صورة علمية حية، يستحق الاقتناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق