مقالات

« صحويون بلا لحى »

لـ « حسين بن باني »

العاصمة نيوز – مقالات :

تولد الأفكار بمظاهر وتموت بمظاهر ، فالفكرة حين تولد في مجتمع وتخرج من إطار الفردانية إلى الوجه العام لأي مجتمع تكون لها مظاهر تدل على ولادتها ، وسوف أخذ الصحوة (كفكرة) للتدليل والتحذير بهذا المقال.

الصحوة ولادتها كانت بمظاهر معينة مثل اللحى المسبلة والثياب المحتارة في منتصف ساق الرجل والقفازات التي تُحني أيادي النساء هذه بعض من المظاهر شكلية لها ، وهناك مظاهر سلوكية جسدية مثل إستخدام السواك في أوقات محددة والمشي السريع الذي لا يُفقد صاحبه الوقار وزم مرزام الغترة (هو منتصف الغترة الذي ينصف الجبهة) إلى الأعلى والكثير من هذه المظاهر التي بدأت تنتشر بالمجتمع السعودي كإنتشار النار بالهشيم ، وكان للفراغ الثقافي الذي أحدثه سقوط القومية العربية خير ملجاء وجحر تجحر به الصحوة ، نشأت وترعرعت حتى أصبح لها قادة ورموز تفتدى من دونهم الأرواح وتبذل لرغباتهم الأموال ، تصادمت الصحوة مع الدولة فضعفت قليلاً وأستمرت بوهم القوة الذي نشأت فيه فتصور البعض من رموز الصحوة وأتباعها أن المجتمع بيدهم وهو عنصر قوة يمكن إستخدامه  ضد الدولة ، لكن هذا التصور لم يكن سوى “صرحاً من خيال فهوى “كما قال الشاعر إبراهيم ناجي في ملحمة الأطلال  ، فالمجتمع الذي توهمت الصحوة أنه محكم السيطرة تحت يدها تمرد عليها وضاق ذرعاً بما تمارسه الصحوة ورموزها وأتباعها من تسلط عليه باسم الدين أفقدهم الكثير من بهجة الحياة ، إنتهت فترة المجاملة التي كان يهبها المجتمع للصحوة وأتباعها خشية الغضب الألهي الذي سيقودهم أليه أي رفض أو نقد أو إستنكار ، وأدرك أن الدين ليس محصوراً بما تمليه عليه أفكار الصحوة ، فتمرد عليها وترافق هذا التمرد أيضاً مع ضجر حكومي من سيطرة الصحوة على بعض مفاصل الدولة ، فقررت الدولة إعدام الصحوة ثقافياً وذلك بفتح المجال لأفكار أخرى ولسلوكيات أخرى لتزاحم الصحوة ، فالصحوة لا يمكن أن تعيش في محيط مشترك ، هي فكرة ذئبية منعزلة  مستسعرة لا تحيا إلا بمحيط خالي وفارغ .

شارفت الصحوة على الإنتهاء فما هي المظاهر التي تدل على موت هذه الفكرة ؟

أول المظاهر-وهذا ليس حصراً لكل المظاهر-  هو جرأة المجتمع على رفض ونقد ورد الفتاوى الدينية التي لا يقتنعون بها وليس كما كان يحدث فيما مضى حين كان يسمع أن هذه الفتوى صدرت  من ذلك الشيخ تطأطأ الرؤوس لفتواه ويتبعها “جزآك الله خير ياشيخ”.

ثاني المظاهر الخارجية هو تنوع اللباس وقصات الشعر والمظهر الخارجي بالعموم  وإختلاف الأمزجة والأذوق في المجتمع.

ثالث مظهر وهو الذي سأختم به وهو الذي عنونت المقال به وهو يدخل تحت باب التحذير بعد أن إستوفيت التدليل.

هو ظهور وإنتشار صحوييون بلا لحى ، يحملون نفس الأفكار ونفس الأسلوب الخطابي ونفس المنطق ونفس التوجه ونفس الإستدلالات ونفس الحجج لكنه يتمظهر بمظهر عصري حليقيّ اللحى  ولا يعترفون بالصحوة  ، وفي ظني أن السبب يعود في ذلك إلى عدم قبول المجتمع النصحية بلحية بعد أن صابته تخمة من التعاطي معها ، فعلى مدى ثلاثون ونيفاً من السنون ظل هذا المجتمع يتلقى ذات النصح والأرشاد والدعوة والتوجيه والوصاية من ذات اللحية حتى ضج بها وضج منها أصحابها، فتم إستبدالهم بصحويين بلا لحى لكي يكون لهذه الأفكار نمطاً ظاهرياً جديداً ، وقد يكون هذا الصحوي بلا لحية  مجرد رادود وواجهة لا يحمل من الفكر شيئاً ولا من المنطق ولا من الخبرة والمعرفة ولكن له حضور فعال في مواقع التواصل وأسلوب هجومي بمنهجية (أجلد) فيحظى بدعم مباشر أو غير مباشر  من قروبات وجماعات الصحويين باللحى الذين تحتضر أمامهم كل أفكارهم فيدعمون ذلك الصحوي بلا لحية دون تحفظ وبكل قوة فتجد الترويج له بشكل يثير العجب ومن أشخاص لم تتصور أبداً ولو للحظة أنه سوف تآتي لحظة يروجون لمثل ذلك الرادود .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق