ثقافةغير مصنفكتبميديا

رؤية نقدية في رواية (الأسود يليق بك) أحلام مستغانمي

خاص وحصري لـ«العاصمة نيوز»

العاصمة نيوز – سعدى الأنصاري  

التعريف بالروائية:

أحلام مستغانمي شاعرة وكاتبة جزائرية معاصرة، من أكثر الكتاب العرب نجاحاً ، ولدت في المنفى (تونس) ، ويرجع الاهتمام الكبير برواياتها إلى خوضها في مأساة الإنسان ، وأحلامه البائسة ، كانت هي وزملاؤها من أوائل المواطنين الجزائريين الذين تعلموا اللغة العربية بدلًا عن الفرنسية، في 1973، تخرجت أحلام من جامعة الجزائر بشهادة بكالوريوس في الأدب العربي، ونشرت أول مجموعة شعرية “على مرفأ الأيام ، وفي عام 1976، انتقلت أحلام إلى باريس ونشرت مجموعتها الشعرية الثانية المسماة ” الكتابة في لحظة عري ” ،مُنحت شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع من جامعة السوربون في باريس، وكانت أطروحتها تتمحور حول التعقيدات في الرجل والمرأة داخل المجتمع الجزائري، وما يجري بينهما من صراعات ناجمة عن عدم التفاهم.

التعريف بالرواية:

رواية تخلق المعجزات العاطفية بين قلبين يقفان على بحر الحب بين مد وجزر ، بين الكبرياء والوداعة ، هذه الرواية صنعت الحب وبلورته بطريقة مربكة ومشوقة ، هي أشبه بخريطة لقلب الأنثى التائه ، وعلى الآخر أن يجد طريقا مبتكراً  للوصول إليه ، الأسود ذلك اللون الفاتن الذي ارتدته الحبيبة وكانت إطلالتها تليق به فعلا ، اللون الذي أخذ يجملها في عين رجل واحد ، ليصبح الأكثر جنونا ، الأكثر وجوداً في ذاكرتها .

الشخصيات الرئيسة في الرواية:

  • هالة الوافي: تلك الفتاة التي ارتدت السواد ، وبذلت للحب ما تملك ومالا تملك ، هي تلك النجمة الساطعة في الرواية ، الجالبة للأضواء ، معلمة الصف ، تلك التي كان صوتها يصدح بدروس الأدب واللغة العربية ، قبل أن ترحل إلى سوريا ، موطن والدتها ، لتعتلي المسرح وتصبح مطربة ومغنية.
  • طلال هاشم: رجل الأعمال الذي تعلق قلبه بتلك المطربة التي رآها لأول مرة في لقاء تلفزيوني ، فولج إلى عالمها مستعملا كل أساليب الجذب والحب، لم تفصح أحلام باسمه إلا نادراً ، كان منغمساً في الثراء والبذخ ، وكل ما يريده يجده على طبق من ذهب.

 

إضاءات نقدية للرواية:

  • عندما تقرأ لأحلام مستغانمي فإنك تقرأ لأستاذة الحب ، وأميرة البيان والكلمة ، تنتقي الكلمات بعناية فائقة قلّما أن تجد نظيرها ، لغة أحلام الفذة تأسر القارئ وتجبره أن يتناول قلما ويسجل بعض العبارات التي تلامس الوجدان ، وتستنهض الذاكرة ، هي تنسج الكلمات بطريقة مبهرة ، تجعلنا نتباطأ في قراءة السرد ، ونتأمل الحبكة التي صنعت بها مفرداتها .
  • مستغانمي في هذه الرواية صنعت الحب بين مطربة عادية كانت في البداية معلمة صف ، ورجل ثري ظل يلاحقها كالمجنون بوروده الاستثنائية ، وكأن الهدف من كتابة هذه الرواية هو صناعة الحب ، وخلق المعجزات بين الطرفين، ” الحب في الرواية جاء بصورة مشوهة، ، الحب الذي يخبأ عن الأهل والناس ، الحب المتلصص، الذي يبدأ بهاتف ، وينتهي بفندق، الحب الذي يرتكز على خيانات ولا يطرق الأبواب ، خيانة الأهل ، الزوجة ، بل وخيانة الحب نفسه” ، هذا الحب المباغت ، المليء بالتناقضات، الحب الذي يخالف التفكير المنطقي بين التقاء رجل وامرأة ، في ظل المحافظة على جزء من الشرف بطريقة تدعو للذهول ،هذا الحب الذي تجلت فيه المبالغة ومحاولة الابتكار، لم يكن جديدا إطلاقا.. كان مكررا إلا من المفردات والعبارات التي تجيد مستغانمي صياغتها.

واقتنعت أخيرا بقول أساتذة الأدب: ” روايات أحلام ماهي إلا صورة مشوهة لذاكرة الجسد”.

كيف صورت مستغانمي الحب في الرواية ؟ 

صورت لنا الحب بأشكال مختلفة ، وكتبت عنه بعبارات متألقة جداً ، تقول: ” الحب قبل أن يكون كيمياء ، هو إيقاع كائنين متناغمين ، كأزواج الطيور والفراش التي تطير وتحط معاً ، دون أن تتبادل إشارة”.

” الحب اثنان يضحكان للأشياء نفسها ، يحزنان في اللحظة نفسها ، يشتعلان وينطفئان معاً بعود كبريت واحد ، دون تنسيق واتفاق”.

الحب لديها حاجة ضرورية للحياة ، وبدونه لا يمكن العيش في اتزان، ” كانت تنقصه امرأة مثلها كي يتعافى ، ويتخلص من كل الأجهزة الاصطناعية التي يستعين بها على حياة فقدت مباهجها”.. وعنها تقول: ” لا تدري مع من تقتسم فرحتها ، وهذه أعلى درجات الوحدة”.

ونجدها تعبّر عن موقفها من عيد الحب بقولها: ” يوم كان العشاق يموتون عشقا ما كان للحب من عيد ، اليوم أوجد التجار عيداً لتسويق الأوهام العاطفية”.

بذات المفاهيم السردية تكتب روايتها لأولئك الحالمين ، المغتربين روحا، والمنهمكون في الحب ، تهمس في آذانهم وتقول: ” الحب هو ذكاء المسافة … ألا تقترب كثيراً فتلغي اللهفة ، ولا تبتعد طويلا فتنسى ، ألا تضع حطبك دفعة واحدة في موقد من تحب، أن تبقيه مشتعلاً بتحريكك الحطب ليس أكثر”.

اللغة وعنوان الرواية :

مدهشة حقاً تلك اللغة التي تكتب بها أحلام مستغانمي ، وتلك المقطوعات التي تنتقيها، الرواية قطعة موسيقية من المفردات والألحان العذبة ، ولقد اختارت لها عنوانا جذابا ، آسراً كما في كل مرة ، يستقطب القراء ويغريهم ، (الأسود يليق بكِ) ، ذلك اللون الذي كان رمزا للحداد والذكرى ، وعنوانا للرواية في الوقت ذاته، ما كان ليظن القارئ بأن تلك المطربة ستخلعه بعد أن تشبثت به كثيرا،  خلعته هالة ، فلم تعد تتميز به ، فارتدت بعده اللازورد ، وكأنها تنتقم من ذلك الرجل الذي خدعها بالمال والحب بطريقة أخرى، وهذا أدى إلى تناقض كبير ، أصبح اللون رمزا قابلا للخلع ، بعد أن كان سمة ملاصقة للفتاة ، فعندما سألها مقدم البرنامج في الرواية ، لم تظهري يوماً إلا بثوبك الأسود ، إلى متى سترتدين الحداد؟

تجيب كمن يبعد شبهة: ” الحداد ليس في ما نرتديه ، بل في ما نراه ، إنه يكمن في نظرتنا للأشياء”. خلع اللباس الأسود يثير تساؤلات بلا أجوبة ، وينشئ التناقض في النص.

فكرة الرواية :

  •  فكرة الرواية قائمة على الانتصار للحب ، والمرأة ، ما يهم مستغانمي هو أن تقف المرأة شامخة بعد كل سقوط ، أن تحافظ على كبريائها بعد كل الانكسارات ، أن تبتعد عندما تشعر بالخطر، ثم تنبعث من جديد بروح أخرى ، ونجاحات عظمى ، وحتى نكون منصفين فإن الكاتبة برعت حقيقة في المعاني العميقة ، والوصف المدهش ، إذ نجدها تقول: “امرأة تضعك بين خيار أن تكون بستانيا ، أو سارق ورد ، لا تدري أترعاها كنبتة نادرة ، أم تسطو على جمالها قبل إليه غيرك”، وقولها: ” الجميع حولها يملك أكثر من وجه ، وهي تواجه الحياة سافرة ، إنها تطالب بحقها في امتلاك قناع”.

 القضايا التي تناولتها الرواية:

  •  عدة قضايا مترابطة، ومكررة أيضا ، فالقضية التي ما تنفك مستغانمي من كتابتها ، هي الثورة والشهداء ، تلك الثورة التي ابتلعت الكثيرين من أبناء الجزائر ، وتعبر بذلك: ” كما يأكل القط صغاره ، تأكل الثورة أبناءها ، يأكل الحب عشاقه ، يلتهمهم وهم جالسون إلى مائدته العامرة”،تحدثت عن الإرهاب ، السجون ، الاعتقالات ، الفقد ، الاغتيال المباغت ، الابتعاد عن الأوطان والهجرة بعيداً ، مازالت تداوي جراحها بالكتابة عن تلك القضايا المؤلمة.. “ إنها في النهاية كالشعوب العربية ، حتى وهي تطمح للتحرر ، تحنّ لجلادها “.وكما تقول: ” كنا نريد وطناً نموت من أجله ، وصار لنا وطنا نموت على يده”، قضايا كررتها مستغانمي كثيرا ، وكان الأجدى ان تكتب عن هموم أخرى لم يتطرق لها قلمها ، أما السلطة ، سلطة النفوذ ، المال ، الجاه ، كلها جاءت بصورة رمزية في الرواية ، كشفت القناع عن تلك الرموز ، عرّتهم أمام وجه الحياة ، رفعت بهم السقف عاليا ، ثم أطاحت بهم في لمحة بصر.

العنوسة عند مستغانمي:

  •  كانت مختلفة ، كتبت عنها تقول: ” لا أحد يخيّر وردة بين الذبول على غصنها ، أو في مزهرية ، العنوسة قضية نسبية ، بإمكان فتاة أن تتزوج وتنجب ، وتبقى رغم ذلك في أعماقها عانساً ، وردة تتساقط أوراقها في بيت الزوجية”.

النموذج الذي قدمته : 

  • قدمت لنا نموذجا لصورة البذخ المفرط الذي كان يرفل فيه رجل الأعمال ، والانبهار الذي رافق هالة إلى حد جعلها تسايره في بعض المصاريف ،ومن ثم افاقتها من تلك الغفلة قبل أن تغرق في وحل الثراء المرعب.. ” استيقظت من أحلام منتهية الصلاحية ، كأن شيئاً مما حدث لم يحدث، لقد عاشت سنتين مأخوذة بألاعيب ساحر ماكر… لقد ترك لها ثروة الذكريات ، بينما كانت تتوقع أن يهدي لها مشاريع حياة”.

استفاقتها في الرواية جاء متأخراً :

  • تحتاج إلى أن تستعيد  قواها قبل مواجهة مرتجعات الحب ، كل ما اقتنته عن عشق يوجعها اليوم بتنكيل النهايات، حرمت نفسها من أشياء كثيرة لتهدي إلى نفسها هذا الألم الباذخ”، كتبت عن تركيبة العقل الأنثوي والعقل الذكري ، كيف يفكر كلاهما ، وكيف يلتقيان ، تلك الأنثى التي مهما كابرت ستظل تبحث عن مأوى لشتاتها ، عن ذلك الرجل صاحب الهيمنة و القرار ، الذي لا ينكسر أمام أي شيء ولا يخضع.

الحوار في الرواية:

  • كان مفعما بالحب ، الدهشة ، والكبرياء ، يسير بالسرد في اتجاه واحد بطيء ، مليء بالعبارات الجميلة التي لا تحاكي أفعال الشخصيات ، نجد التناقض بين أجزاء الكتاب في مواضع شتى ، بين القول والفعل تباين ظاهر ، تصف هالة بالكبرياء وفي ذات الوقت نجدها تلهث خلف الحب ، تتصرف في ظل هيمنة الرجل الذي بهرها بماله وثرائه الفاحش ، برغم ذلك الأحداث التي حصلت في معظمها تطرأ في ذهن القارئ ، يتوقع حدوثها فعلا ، فتحدث ، لم تكن هناك دهشة ، ولا انفعال ، عنصر التشويق والمباغتة كان ضئيلا جدا ، فاللقاءات كانت أشبه ” بالدراما الهندية” والمعجزات  ، الشخصيات تحقق ما ترجو بسهولة تخالف المنطق ، في جريدة فجأة يكتشف صورتها، يصل إليها ،  يلاحقها بين المطارات ،، ارسال الباقات … معرفة مكان هالة .. المفاجآت التي يصنعها .. الحصول على بيت .. ثم على طائرة خاصة … كل تلك الأمور السريعة والمهيأة لرجل أعمال ثري يفترض أن ينشغل قليلاً عن ملاحقة فتاة جعلت في السرد ربكة واضحة ، جعلته يخرج عن حيز الواقع والمنطق.
في النهاية : تمتلك أحلام موهبة في الكتابة لا يستطيع أحد أن ينكرها ، فمع الأدب الجزائري لابد وأن تذكر أحلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق