بورتريه

الأديب “محفوظ ” يدون انطباعات رحلة يوغوسلافيا

العاصمة نيوز – الخرج 

كتب محمد شعير في مدونة منشور موضوعًا يتحدث فيه عن الأديب الكبير نجيب محفوظ وماصاحب رحلته الأولى الى: يوغوسلافيا  ودون محفوظ من خلالها انطباعاته في أوراقه الخاصة وكُراسه الصغير.

محفوظ يكتب عن رحلة يوغوسلافيا وبرنامجها:

السبت 8 أغسطس:

  • الاستقبال – اللوكاندة – راحة خفيفة – زيارة السفير – نزهة للمدينة – عشاء في الـstation – الراقصة المندمجة المعجبانية – شارع تتوقف فيه المواصلات فترة من الزمن حتى يتسوق الناس أو غير ذلك من الأغراض

الأحد 9 أغسطس:

  • نوم الساعة 1 واستيقاظ الساعة 2 – تمشية – مسح جزمة – المتحف الحربي – جريدة الكفاح – الجبل وتمثال الجندي المجهول – المسرح الشعبي في الجبل- السفر في القطار ليلًا إلىزغرب (عاصمة كرواتيا)

الإثنين 10 أغسطس:

  • الأستاذ عصمت يستقبلنا – إفطار في اللوكندة – متحف الإثنوجرافي – مصنع للأدوات المعدنية – التعرف إلى ياسمينة المسلمة – الصعود إلى أكثر من ألف متر فوق البحر وصعود البرج الحديدي. منظر لا ينسى فوق الدينا. الشمس والقمر – العشاء في مطعم فوق الجبل – بنت كلب – التسكع

الثلاثاء 11 أغسطس:

  • التسوق – الجاليري – المكتبة – عبد الله وياسمينة يتخلفان – الغذاء – الراحة – الشاي والأحاديث – السفر إلى لوبيانا (ربما يقصد مدينة «ليوبليانا») ووصولها 9 ونصف مساء

الأربعاء 12 أغسطس:

  • زيارة المتحف الوطني – متحف الفن الحديث – متحف الفن القديم، طابع أوروبي وجمال – زيارة بليدة.. مناظر الجبل.. منظر السهل.. البحيرة.. بنت الشاعر.. جنون الجمال – العودة ليلًا

الخميس 13 أغسطس:

  • القيام من لوبيانا – زيارة كهف بوستويا الغريب – زيارة مصيف أباتيا – مصيف آخر في أباتيا – المكواة

الجمعة 14 أغسطس:

  • السفر إلى ربيكا – الاستراحة في لوكاندة – اختفاء معطف الأستاذ الصاوي – الغذاء – السفر الساعة 4 بالباخرة – رحلة الباخرة والليل والقمر

السبت 15 أغسطس:

  • الوصول صباحًا إلى سبليت – زيارة قصر دقلديانوس – زيارة متحف  إيفان ميستروفيتشالمثال (Ivan Mestrovic) – زيارة الجامعة العمالية – مشاهدة عايدة في قصر دقلديانوس (م. التمثيل في مكان أثري دون استعانة بالديكور)

الأحد 16 أغسطس:

  • السفر بالسفينة إلى دوبروفنيك حوالي الساعة 9 – مشاهدة تبجيل لكاتب يوغوسلافي في القلعة الأثرية

الإثنين 17 أغسطس:

  • حرية في النهار – هاملت في القلعة الأثرية وما أعجب ذلك..

ينتقل محفوظ من كتابة الملاحظات العابرة إلى الكتابة عن دوبروفنيك، ما يشبه كتابة مكتملة بعد ذلك.

الثلاثاء 18 أغسطس:

  • من التجوال عبارة عن قلعة قديمة والمصيف الحديث، سكانها حوالي 20,600 نسمة، في الأصل كانت مستعمرة يونانية وسلافية، حافظت على استقلالها لمناعتها، وبأموالها من ثراها إلا في التجارة. احتلها الفرنسيون أيام نابليون، بعض مساكنها يعود إلى القرن الخامس عشر، والسابع عشر في الجزء الذي هدمه الزلزال. هي أعجب مدينة أثرية في العالي فى الحواري – السلالم – شرفات جوليت – بها أقدم صيدلية

الأربعاء 19 أغسطس:

  • نزهة في دوبروفنيك – إلى المطار – تأجيل السفر لوجود عاصفة – حفل استقبال في نادي الفنانين في بلغراد

الخميس 20 أغسطس:

  • إلى معسكرات العمل في طريق طويل وجميل وبين سيدتين – المعسكر الذي يبني الطريق – العودة – حفل استقبال مغادرة مع السفير وحرمه

الجمعة 21 أغسطس:

  • تسوق وهدايا – علمنا أننا لن نسافر إلا في طيارة الثلاثاء – سهرة في القهوة والحديقة لمعالجة اليأس

السبت 22 أغسطس:

  • إفطار حر – زيارة متحف الفن – زيارة متحف الفن الشعبي

في الصفحة الأخيرة من الدفتر، يكتب نجيب محفوظ ملاحظات أكثر كثافةً ووضوحًا، كأنها تلخص رحلته:
«جمال الطبيعة، القمة.. بليد.. دوبروفنيك، بلدة دوبروفنيك القديمة.. الفن في الآثار – القصر – القلعة – الجبل – ماشتوفيتش – الجندي المجهول – ربيع الحياة – السواقون والديمقراطية – الفن الحديث.

هل يمكن فك شفرات هذه الكتابة المكثفة التي كتبها محفوظ لنفسه؟ ربما يمكننا ذلك بالعودة إلى ما قاله وردده في بعض حواراته الصحفية، أو في جلسات الحرافيش، أو حتى في أعماله الإبداعية !!

 

 

  • ماذا يقول محفوظ عن كاتب السيناريو والفصة والمسرح في يوغسلافيا ؟

ومن الغريب أن أجر كاتب السيناريو هناك منخفض بعكس ما عندنا تمامًا، هناك كاتب القصة ينال الأجر الأكبر، بينما عندنا ينال كاتب السيناريو أجرًا أكبر من أجر كاتب القصة. والدولة هناك تتدخل في هذا، وتحدد الأجور وتقدِّر كاتب الرواية أكثر من تقديرها لكاتب السيناريو».

«المسارح هناك كثيرة جدًّا، ويجدها المرء في كل مكان. إنهم يقيمونها في القصور، فيعرضون فيها جميع المسرحيات العالمية، بل هم يفعلون هذا في القلاع والمتاحف القديمة، وبيوت الملوك والحكام القدامى، وأحيانًا ينقلب الطريق إلى مسرح يعرض على الشعب رواية عالمية تقدمها إحدى الفرق المسرحية».

«ولقد شاهدنا فرقة تقدم مسرحية (هاملت) في الطريق. إن الشارع يُقفَل بكل بساطة من ناصيتيه، وتُرَص فيه المقاعد، ويقام المسرح فوق سلالم عالية، ويجلس المتفرجون بنظام وبالآلاف، يشاهدون الرواية بلا ضوضاء أو ظيطة أو تهريج، وأحسسنا أنا ومن معي أننا لم نفتقد شيئًا، كأننا في مسرح كامل المعدات، نشاهد رواية عالمية يمثلها ممثلون قديرون».

«هذا الفن يفيض بالتفاؤل، ولقد رأينا طابع الفرح والسرور باديًا على وجوه الفنانين الذين يقدمون هذا الفن للجمهور، وإن كنت أعتقد أن لهم، مثل كل البشر، أحزانًا أيضًا. ولقد كنا خلال الرحلة نفتح راديو السيارة التي تقلنا فنسمع أغنيات شعبية، يألفها المرء عند سماعها، فهي شبيهة لدرجة كبيرة بموسيقانا، إذ يغلب عليها جميعا شيء من الحنان الشرقي، حتى إذا كانت تعبِّر عن الحزن فتعبيرها قريب إلى تعبيرنا، وربما يعود هذا إلى أن البوسنة والهرسك من أصل شرقي، وتجري في شرايينهم دماء عربية».

  • من حكايا الرحلة يقول محفوظ : 

كنا نسير باتجاه الفندق بعد أن أنهينا سهرتنا، فوجئنا بصوت يناديني باسمي. فقال لي عبد المنعم الصاوي: هل أنت معروف هنا أيضًا؟ كان من ينادينا أديب يوغوسلافي مسلم اسمه محمد (نسيت اسمه الثاني)، وقد كان في زيارة للقاهرة وأراد مقابلتي وعرف عنواني في العباسية، ووصل إلى بيتي، والدتي فتحت شُرّاعة الباب فوجدت شخصًا تصورته إنجليزيًّا، فأغلقت الباب وقالت لي ما حدث».

«وقد ألقى الرجل اليوغوسلافي ورقة كَتب فيها أنه يريد مقابلتي في شارع صبري أبو علم في وسط مدينة القاهرة، وحدد لي محلًّا يوغوسلافيًّا، وكان يريد أن يستأذنني ليترجم لي (زقاق المدق)، واتفقت معه أن يترجمها».

«غاب الرجل فترة ثم أرسل لي خطابًا مؤثرًا، قال لي إنه كان يتوقع أن تكون كتاباتي إسلامية، لكنه فؤجئ أن في الرواية خمارة ونساء، مما جعله متألمًا واعتذر لي.

بالتأكيد كان محفوظ يضحك ضحكته المميزة وهو يواصل سرد الحكاية: «بعد أن صافحني الرجل وتحدثنا قليلًا، سأله سامي الدروبي: هل يمكن أن تدلنا على ملهى ليلي؟ فقال الرجل: لأجل خاطركم سأدلكم، ولكن لن أذهب إلى هناك لأني رجل متدين.

 

يرصد الكاتب محمد شعير ذلك ويقول: 

يمكن أن نرصد تأثيرًا غير مباشر للرحلة ومُشاهدات محفوظ في «رحلة ابن فطومة»، الرواية الوحيدة له التي يحمل عنوانها كلمة «رحلة». وفي العنوان يستدعي محفوظ رحلة ابن بطوطة الشهيرة، لكنه يغير الاسم إلى ابن فطومة، وهو ما يحيل إلى نجيب نفسه، فهو ابن فاطمة، التي يناديها أحيانا «فطومة».

منذ البداية يعلن ابن فطوطة أو «قنديل محمد العنابي» مهمته في الحياة: «بدأت رحالة، وسأظل رحالة، وفي طريق الرحلة أسير. إنه قرار وقدر، خيال وفعل، بداية ونهاية». وهو أيضًا يؤرقه سؤال «عَمّ تبحث أيها الرحالة؟ أيُّ العواطف يجيش بها صدرك؟ كيف تسوس غرائزك وشطحاتك؟». ومن ثَمّ يخوض رحلته ذات الطابع الفلسفي متجولًا بين مدن مختلفة، بحثًا عن حقيقة المعرفة والعدالة والحرية والحب، والكمال أيضًا.

لم يكن وصف محفوظ للبلاد التي زارها ابن فطومة خيالًا كاملًا، فقد استفاد من رحلتيه إلى اليمن ويوغوسلافيا، بل يمكن قراءة هذه الرواية عبر الملاحظات التي كتبها عن رحلة يوغوسلافيا، والتي تسربت بوعي أو دون وعي إلى عمله الأدبي.

ففي يوميات رحلة يوغوسلافيا، يكتب عن زيارته لعمال يبنون شارعًا يمُر في كل الولايات اليوغوسلافية، ويشارك في العمل الطلبة في الإجازات. أخبرتهم مُرافِقة الزيارة أن «كل الشباب والشابات يشتركون في هذا العمل، وكانوا ينامون معًا في الغابة. كان معنا بنت بكت فجأة، وكان سبب البكاء تذكرها لحبيبها الذي مات في الحرب أو في المقاومة». يظهر هذا المشهد تقريبًا في رحلة ابن فطومة.

  • هل يحب نجيب محفوظ السفر ؟

لم يحب نجيب محفوظ السفر، كان يهرب منه دائمًا، يشعر أنه يُربك حياته ونظامه الصارم.في شبابه، قدّم على بعثة للسفر إلى فرنسا لدراسة الفلسفة، ولكن لم يقع عليه الاختيار، وقدّم في بعثة أخرى لدراسة اللغة، وكانت في ذهنه تجربة توفيق الحكيم في «زهرة العمر»، حيث الفن «على قفا من يشيل» في مدينة الجن والملائكة، لكن البعثة لم تكتمل أيضًا.

بعد فشله في السفر، قرر هو أن يهرب من السفر. بعد رحلة يوغوسلافيا، اختير محفوظ لتمثيل مصر في مؤتمر أدبي في العاصمة الإيطالية روما، ونشرت مجلة «الكواكب» في أكتوبر 1961 خبرًا عن سفره إلى هناك للمشاركة في المؤتمر، في جواز السفر الخاص به تأشيرة السفر، وكذلك يوجد قرار بسفره في ملف خدمته، لكن لأن الرحلة لم تكن بأوامر سياسية، فضّل الاعتذار في اللحظات الأخيرة.

وتوقع كثيرون أن يسارع بإعلان سفره إلى السويد لتسلم جائزة نوبل عام 1988، لكنه كان قد اتخذ قراره مبكرًا، بعد يومين فقط من إعلان الجائزة، برفض السفر، وفي جلسة الحرافيش قال لأصدقائه: «المشكلة في مسألة عدم القدرة على السمع، هنا المسألة بسيطة، أقول أزعّق: يا علي، أو يا محمد، لكن هناك هل أقول للملك أو الملكة علِّي صوتك شوية؟

لكن نفوره من السفر لم يمنع أن تكون رواياته على عكس ذلك. رواية نجيب محفوظ هي بالأساس رواية رحلة «بحث»، أبطاله يتنقلون بين الأماكن دائمًا بحثًا عن شيء ما يؤرقهم. أبطال «تراجيديون» يعيشون أزمة، تختلف بطبيعة كل شخصية، ويحاولون البحث عن مخرج منها: سعيد مهران في «اللص والكلاب» يبحث عن العدل، يثور على الخيانة، ويُقتل في النهاية، وعيسى الدباغ في «السمان والخريف» يترك القاهرة إلى الإسكندرية في رحلة بحث أيضًا، ويوقف صابر الرحيمي حياته بحثًا عن أبيه الغائب، ونجد كل أبطال «ميرامار» مسافرين، غرباء عن الإسكندرية حيث تدور أحداث الرواية، وهي المدينة الأولى التي عرفها محفوظ في طفولته، ولم يكن قد تجاوز التاسعة من عمره.

وفي الرحلة أسئلة تتوالد، وبقدر ما تؤرق الأبطال فإنها تؤرق محفوظ نفسه، ويمكن أن نجد أصداءها في سلسلة مقالاته الأولى التي كان ينشرها بانتظام في مجلة «الجديد»، التي ترأّس تحريرها سلامة موسى، وبسبب انشغاله بهذه الأسئلة مبكرًا اختار أن يدرس الفلسفة.

في رحلاته الواقعية القليلة، أو رحلاته الفكرية الدائمة، يصل نجيب محفوظ إلى هذه القناعة أو هذا اليقين الذين يعلنه بطل «رحلة ابن فطومة»: «لا يوجد بلد سعيد، الشكوى لغة الإنسان المشتركة، نحن الحائرون بين الواقع القبيح والحلم الذي لا يتحقق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق